أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
15
نثر الدر في المحاضرات
والشهود أعلم بما قالوا : « وإنما عبيد أب مبرور أو والد مشكور » . ثم نزل . قال الشعبي : قدم زياد الكوفة فدنوت من المنبر لأسمع كلامه فلم أر أحدا يتكلم فيحسن إلا تمنيت أن يسكت مخافة أن يسيء غير زياد ، فإنّه كان لا يزداد إكثارا إلا ازداد إحسانا . فقال بعد أن حمد اللّه : إن هذا الأمر أتاني وأنا بالبصرة ، فأردت أن أخرج إليكم في ألفين من شرطها . ثم ذكرت أنكم أهل حقّ ، وأن الحقّ طالما دفع الباطل فخرجت إليكم أهل بيتي . فالحمد للّه الذي رفع منّا ما وضع الناس ، وحفظ منا ما ضيعوا . أيها الناس : إنا سسنا وساسنا السائسون ، وجرّبنا ، وجربنا المجرّبون ، فوجدنا هذا الأمر لا يصلحه إلا شدّة من غير عنف ، ولين في غير ضعف ، فلا أعلمنّ أنّا أغلقنا بابا ففتحتموه ، ولا حللنا عقدا فشددتموه . وإني لا أعدكم خيرا ولا شرّا إلا وفيت به ، فإذا تعلقتم علي بكذبة فلا ولاية لي عليكم . وإني آمركم بما آمر به نفسي وأهلي فمن حال دون أمري ضربت عنقه ألا وإنّي لا أهتك لأحد منكم سترا ، ولا أطلع من وراء باب ، ولا أقيل أحدا منكم عثرة . قال : فحصبوه من كل جانب فجلس على المنبر حتّى سكتوا وأمسكوا ثم نادى الشّرط . فأخذوا بأبواب المسجد ، وألقى كرسيّا على بعض الأبواب ثم عرض الناس أربعة أربعة يستحلفهم ، فمن حلف أنه لم يحصبه تركه ، ومن أبى حبسه . قال : فقطع يومئذ أيدي ثمانين إنسانا ممن لم يحلف . فقال الحسن البصري : أوعد عمر بن الخطاب فعوفي وأوعد زياد فابتلي . وقال أيضا : تشبه زياد بعمر فأفرط ، وتشبه الحجاج بزياد فأهلك الناس . قال زياد لابنه : إذا دخلت على السّلطان فادع له ، ثم اصفح عنه صفحا جميلا . ولا يرينّ فيك تهالكا عليه ولا انقباضا منه .